حسن بن موسى القادري

178

شرح حكم الشيخ الأكبر

مطلب بيان مراتب الذات فنقول وباللّه التوفيق : اعلم أيدك اللّه أن اللّه تعالى لما أحب في شأن ذاته البطون أن يظهر من كنزيته المخفية المشار إليها بحديث : « كنت كنزا مخفيا « 1 » » إلى آخره تعين بالتعين الخاص الذاتي اللائق بجنابه الأقدس . وهو أول مرتبة من مراتب الذات أي : مراتب التنزلية ، وقبلها كانت غيبا مطلقا وغيب الغيب ، والذات الإلهية كلّت العبارات دونها ، وانقطعت الإشارات قبل الوصول إلى سرادق حرمها ، ولذا سميت بمنقطع الإشارات ، وبمجهول الغيب ، وسمّاها بعضهم بالعد المقدم على الوجود أي : عدم لحوق النسبة الوجودية لمطلق الصرافة الذاتية المعراة عن النسبة وغيرها لا بمعنى أنها معدومة ، فتوجد تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، فهي مجهولة من كل الجهات لا تعرف بوجه أبدا ، فهي المسكوت عنها على ما قالت هذه الطائفة . وهي المشار إليه بالعماء « 2 » في قوله صلى اللّه عليه وسلم لما سئل عنه أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق :

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) هو في اللغة بمعنى : السحاب الرقيق ، على الأول بمعنى : الحضرة الأحدية ، وعلى الثاني : بمعنى الحضرة العلمية ، فالمشترك مستعمل في كلا معنييه على تقدير التعميم ، أو يجعل من باب عموم المجاز . ووجه المناسبة بين المنقول منه ، والمنقول إليه : أن السحاب بين السماء والأرض ، والأحدية بين الغيب المطلق والواحدية ، والعلم بين العالم والمعلوم ، وفي كلامه قدّس سره إشارة إلى أن الإفاضة على طبق العلم ، والعلم تابع للمعلوم فكل ما في الخارج محذي على طبق عينه ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [ الملك : 3 ] . وكون العلم تابعا للمعلوم بالنظر إلى حضرة الأعيان القديمة التي أعطت الحق العلم التفصيلي بها ، وأما بالنظر إلى رتبة العلم الإجمالي الكلي ، فالمعلوم تابع للعلم ؛ لأن الحق لما تجلّى من ذاته لذاته بالفيض الأقدس حصلت الأعيان واستعداداتها ، فلم تحصل عن جهل تعالى اللّه عن ذلك . ويوصف العماء بالرباني نظرا للفيض المقدّس في صورة التعميم ، أو لأن صفة التربية كانت كامنة في الحضرة الأحدية ، وآخر عطف على أول التنزلات الظهورات الأكملية ؛ إذ هو صلى اللّه عليه وسلم غاية الغايات ، وأكمل كمال النهايات التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه ، كيف وهو الظهور التام ، والمظهر العام ، وليس في الإمكان أبدع مما كان ، ولو كان لكان ، فإنه لأشرف من الوجود ، وقد تجلّى به كمال التجلي -